السيد الطباطبائي

224

تفسير الميزان

قوله تعالى : " ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون " الملأ الأعلى جماعة الملائكة وكأن المراد باختصامهم ما أشار تعالى إليه بقوله : إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة " إلى آخر الآيات . وكأن المعنى إني ما كنت أعلم اختصام الملأ الأعلى حتى أوحى الله إلي ذلك في كتابه فإنما أنا منذر أتبع الوحي . قوله تعالى : " إن يوحى إلي إلا انما أنا نذير مبين " تأكيد لقوله : " إنما أنا منذر " وبمنزلة التعليل لقوله : " ما كان لي من علم بالملأ الأعلى " والمعنى لم أكن أعلم ذلك لان علمي ليس من قبل نفسي وإنما هو بالوحي وليس يوحى إلي إلا ما يتعلق بالانذار . قوله تعالى : " إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين " الذي يعطيه السياق أن الآية وما بعدها ليست تتمة لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : " إنما أنا منذر " الخ والشاهد عليه قوله : " ربك " فهو من كلامه تعالى يشير إلى زمان اختصام الملأ الأعلى والظرف متعلق بما تعلق به قوله : " إذ يختصمون " أو متعلق بمحذوف والتقدير " أذكر إذ قال ربك للملائكة " الخ فإن قوله تعالى للملائكة : " إني جاعل في الأرض خليفة " وقوله لهم : " إني خالق بشرا من طين " متقارنان وقعا في ظرف واحد . وعلى هذا يؤل معنى قوله : " إذ قال ربك " الخ إلى نحو من قولنا : أذكر وقتئذ قال ربك كذا وكذا فهو وقت اختصامهم . وجعل بعضهم قوله : " إذ قال ربك " الخ مفسرا لقوله : " إذ يختصمون " ثم أخذ الاختصام بعد تفسيره بالتقاول مجموع قوله تعالى للملائكة " إني جاعل في الأرض خليفة " وقولهم : " أتجعل " الخ ، وقوله لادم وقول آدم لهم ، وقوله تعالى لهم : إني خالق بشرا " وقول إبليس وقوله تعالى له . وقال على تقدير كون الاختصام بمعنى المخاصمة ودلالة قومه : " إذ يختصمون " على كون المخاصمة بين الملائكة أنفسهم لا بينهم وبين الله سبحانه إن إخباره تعالى لهم بقوله : " إني جاعل في الأرض خليفة " " إني خالق بشرا " كان بتوسط ملك من الملائكة وكذا قوله لادم ولإبليس فيكون قولهم لربهم : " أتجعل فيها من يفسد فيها " الخ وغيره قولا منهم للملك المتوسط ويقع الاختصام فيما بينهم أنفسهم .